السيد عبد الله الشبر
53
تسلية الفؤاد في بيان الموت والمعاد
زوجته فلا يجيب سؤالا ، وتشهيه بالمآكل فلا يجيب بسوى « لا » ، ويناديه ولده فلا يعطي جوابا ولا يرد مقالا ، ويكلمه أخوه فلا يجيبه وقد اشتغل بموت يجد منه أشد حالا ، ويخاطبه أصحابه فلا يجدون منه إلا دمعا سلسالا ، قد غارت حمالق عينيه ، وسفحت الدموع على خديه ؛ والسمع قد عدم من أذنيه ، والحركة قد سكنت من يديه ورجليه ، والعرق لطلوع الروح يرشح من فوديه « 1 » ؛ ونفسه قد ضاق عليه ؛ والنزع يجذب روحه من بين جنبيه . هذا ، وقد نصب له الموت الشرك « 2 » ، فانتزع روحه انتزاع الضرس من الحنك ، وارتفعت روحه إلى درج أو إلى درك ، فسكنت هنالك حركته ، وانقطعت مدته ، وخرجت مهجته ، وبطل عمله ونيته ، وعظم على أهله مصيبته ، وأحضرت أكفانه وعزيت إخوانه ؛ ثم يدخل عليه الغاسل ، فيخلع عنه الثياب ؛ ويغسله على لوح من الأخشاب ، يتقلبه يد الغاسل يمينا وشمالا ، وهو لا يطيق مجالا ، ثم يجهز في جهازه ، ويفتح له من قبره باب اجتيازه ؛ بعد أن يدرج في أكفانه ، ويحمل على أكتاف أربعة من أصحابه وإخوانه ، يصرخ ولده حول جنازته ، وينتحب أهله لمفارقته ، ويبكي عليه أخوه بكلية طاقته ، وينوح عليه صاحبه لما فاته من مسامرته . هذا ، وقد ركض به النعش إلى دار البلا ؛ وبيوت الوحشة والفلا ، ومقابر السلف الأولى ، وأضجع في حفرة هائلة المقام ؛ مدلهمة الظلام ، كثيرة العطش والأوام « 3 » ، لا أنيس له فيها غير الدود والهوام ، ولا حيلة له فيها غير الاستسلام للّه الذي لا إله إلّا هو الملك العلّام ، بقبر ليس فيها إلّا اللبن والتراب ، ولحد ضيق الجناب قد حجب في حجاب ، وباللّه من ذلك الحجاب ، وحجز عن السعي والذهاب ، وآيس من الرجوع والإياب ، فقال لسان حاله :
--> ( 1 ) فودا الرأس : جانباه ، ومنه « بدا الشيب بفوديه » . ( 2 ) الشرك محركة : حبائل الصيد وما ينصب للطير . ( 3 ) الأوام بالضم : العطش ودوار الرأس .